مستقبل القطاع العقاري في السعودية بعد دخول قانون تملك غير السعوديين حيز التنفيذ

 

أعلنت الهيئة العامة للعقار في المملكة العربية السعودية دخول قانون تملك غير السعوديين للعقار حيز التنفيذ ابتداءاً من يوم أمس الخميس 22 يناير، على أن تكون "بوابة العقار" السعودية المنصة الرقمية الرسمية المعتمدة لتطبيق نظام التملك. بدورها أكدت الهيئة على أن القانون يتيح لغير السعوديين من الأفراد والشركات التملك في مختلف مناطق المملكة العربية السعودية، مع وضع إطار تنظيمي خاص لمدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، حيث يقتصر حق التملك فيهما على الأفراد المسلمين فقط.

هذا القانون سيشكل نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ القطاع العقاري، من حيث التشريعات، ومن حيث إعادة تعريف السوق العقارية السعودية ودورها الإقليمي والعالمي. فهذا القرار لا يمكن قراءته كخطوة تنظيمية منفصلة، بل كجزء من مسار أوسع لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز جاذبية المملكة للاستثمار الأجنبي المباشر ضمن مستهدفات رؤية 2030.

 

 

مستقبل القطاع العقاري في السعودية بعد دخول قانون تملك غير السعوديين حيز التنفيذ

 

تحول تشريعي يعيد رسم خريطة السوق

لسنوات طويلة، كان تملك غير السعوديين للعقار محكوم بقيود صارمة، ومحصور في نطاقات ضيقة أو عبر صيغ غير مباشرة مثل التملك من خلال الشركات أو عقود الانتفاع طويلة الأجل. أما اليوم، فإن النظام الجديد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة كلياً، تقوم على تنظيم التملك بدل منعه، وضبطه بدل تقييده، بما يحقق التوازن بين جذب الاستثمار وحماية الخصوصية الاجتماعية والاقتصادية.

القانون الجديد لا يمنح حق التملك بشكل مطلق، بل يربطه بضوابط واضحة، تشمل تحديد مناطق جغرافية معينة، وأنواع عقارات محددة، وآليات تنظيمية تضمن الشفافية والحوكمة. هذا الإطار يهدف إلى خلق بيئة استثمارية مستقرة وقابلة للتنبؤ، وهي من أهم متطلبات المستثمر الأجنبي.

 

زيادة جاذبية السوق العقارية السعودية

من المتوقع أن يؤدي السماح بتملك غير السعوديين إلى رفع جاذبية السوق العقارية السعودية على المستويين الإقليمي والعالمي. فالمملكة تمتلك مقومات استثمارية ضخمة، تشمل اقتصاد قوي، وبنية تحتية متقدمة، ومشاريع عمرانية عملاقة، إضافة إلى سوق محلية كبيرة ونمو سكاني مستمر.

دخول المستثمر الأجنبي، سواء كان فرد أو مؤسسة، سيزيد من نسبة الطلب، خصوصاً في المدن الكبرى مثل الرياض وجدة والدمام، وكذلك في الوجهات السياحية والاقتصادية الناشئة. هذا الطلب الجديد من شأنه تحفيز التطوير العقاري، ورفع جودة المنتجات، وتوسيع قاعدة الخيارات المتاحة في السوق.

 

تأثير مباشر على المشاريع الكبرى

من أبرز المستفيدين من القانون الجديد المشاريع الكبرى التي تقودها المملكة ضمن رؤية 2030، مثل المدن الذكية، والمناطق السياحية، والمجمعات متعددة الاستخدامات. هذه المشاريع صُممت منذ البداية بعقلية عالمية، تستهدف استقطاب المستثمر والمقيم والزائر من مختلف دول العالم، وكان فتح باب التملك خطوة منطقية لاستكمال هذا التوجه.

إتاحة التملك للأجانب في هذه المشاريع يعزز قدرتها على جذب رؤوس أموال طويلة الأجل، ويزيد من فرص الشراكات مع مطورين عالميين، كما يرفع من معدلات الإشغال والاستدامة الاقتصادية لهذه المشاريع، بدل الاكتفاء بنموذج البيع أو الإيجار المحلي فقط.

 

تنويع المنتجات العقارية ورفع الجودة

مع دخول مستثمرين ومشترين من خلفيات وأسواق مختلفة، ستشهد السوق العقارية السعودية تطور في نوعية المنتجات المعروضة. من المتوقع زيادة الطلب على الشقق الفاخرة، والمجمعات السكنية المتكاملة، والمكاتب عالية الجودة، والمشاريع المختلطة التي يجتمع فيها السكن والعمل والترفيه.

هذا التحول سيجبر المطورين المحليين على رفع معايير التصميم والبناء والإدارة، والاقتراب أكثر من المعايير العالمية، سواء من حيث الاستدامة، أو الخدمات، أو تجربة المستخدم. وبذلك، لا يقتصر أثر القانون على زيادة الطلب فقط، بل يمتد ليشمل تحسين العرض نفسه.

 

الانعكاسات على التمويل والقطاع المصرفي

النشاط العقاري المتزايد الناتج عن فتح باب التملك سينعكس بشكل مباشر على قطاع التمويل والقطاع المصرفي. فزيادة عدد الصفقات العقارية، ودخول مستثمرين جدد، سيؤدي إلى تنشيط أدوات التمويل العقاري، وتطوير منتجات مالية جديدة تتناسب مع احتياجات غير السعوديين، سواء كانوا مقيمين أو مستثمرين من الخارج.

كما يُتوقع أن تشهد السوق نمو في خدمات التقييم العقاري، وإدارة الأصول، وإدارة الأملاك، والخدمات القانونية، وهذا يخلق منظومة اقتصادية متكاملة في القطاع العقاري، ويوفر فرص عمل نوعية في مجالات متعددة.

 

تحديات محتملة يجب إدارتها بحكمة

رغم الإيجابيات الكبيرة، فإن فتح التملك أمام غير السعوديين لا يخلو من تحديات. من أبرز هذه التحديات احتمال ارتفاع الأسعار في بعض المناطق الحيوية نتيجة زيادة الطلب، خاصة في المدى القصير. لذلك، تبرز أهمية دور الجهات التنظيمية في مراقبة السوق، وضمان عدم تشكل فقاعات سعرية، والحفاظ على قدرة المواطنين على التملك.

كما أن نجاح التجربة مرتبط بشكل وثيق بوضوح اللوائح التنفيذية، وسهولة الإجراءات، وسرعة البت في الطلبات، وشفافية البيانات العقارية. أي تعقيد إداري أو غموض تنظيمي قد يحد من الأثر الإيجابي المتوقع، ويؤثر على ثقة المستثمرين.

 

خطوة استراتيجية ضمن رؤية أشمل

لا يمكن فصل قانون تملك غير السعوديين عن السياق الأوسع للتحولات الاقتصادية في المملكة. فهو يتكامل مع إصلاحات سوق الاستثمار، وتطوير الأنظمة التجارية، وتحسين بيئة الأعمال، والانفتاح السياحي، وجذب الكفاءات العالمية. كل هذه العناصر تعمل معاً لإعادة تموضع السعودية كمركز اقتصادي واستثماري عالمي.

 

القطاع العقاري، بحكم ارتباطه المباشر بالاقتصاد الكلي، سيكون أحد أبرز القطاعات التي تعكس نجاح هذه التحولات. ومع الإدارة المتوازنة، يمكن أن يتحول من سوق محلية قوية إلى سوق عالمية مؤثرة.

يمثل دخول قانون تملك غير السعوديين للعقار حيز التنفيذ بداية مرحلة جديدة للقطاع العقاري السعودي، مرحلة تقوم على الانفتاح المنظم، والتنافسية، والاستدامة. 

المستقبل يحمل فرص كبيرة للنمو، وتحسين جودة المشاريع، وجذب الاستثمارات، شريطة أن تُدار هذه المرحلة برؤية واضحة، وسياسات متوازنة، وتشريعات مرنة وقابلة للتطوير.

ومع استمرار تنفيذ مستهدفات رؤية 2030، يبدو أن العقار السعودي مقبل على تحول نوعي سيضعه في مصاف الأسواق العقارية الأكثر جذب وتأثير في المنطقة والعالم.