السعودية تُقرّ السياسة الوطنية للغة العربية
في خطوة مفصلية تعكس اهتمام المملكة العربية السعودية بإرثها الثقافي والوطني والتاريخي، أقر مجلس الوزراء السعودي السياسة الوطنية للغة العربية، لتصبح وثيقة مرجعية عليا تنظّم مسارات تمكين اللغة العربية وتعزيز حضورها في مختلف القطاعات الحكومية والخاصة التعليمية والإعلامية والتقنية. ويأتي القرار ضمن سياق مستهدفات رؤية 2030 التي تضع الهوية الثقافية في صلب مشروعها التنموي.
تعتبر هذه السياسة إطار وطني شامل يتضمن مبادئ، وأهداف، وآليات تنفيذ واضحة، مع تحديد الجهات المسؤولة عن المتابعة والتقييم، وفي مقدمتها مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية.

لماذا الآن؟ السياق الوطني والدولي
تمثل اللغة العربية عنصر جوهري في هوية المملكة الدينية والثقافية والسياسية، فهي لغة القرآن الكريم، ولغة التشريع، ولغة الإدارة الرسمية. كما أن السعودية تُعد واحدة من أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان، إذ يتجاوز عدد سكانها 35 مليون نسمة، يشكّل السعوديون منهم نحو 60–65%، وجميعهم يتلقون تعليمهم الأساسي باللغة العربية.
وعلى المستوى الدولي، تُعد العربية إحدى اللغات الرسمية الست في الأمم المتحدة، ويتحدث بها أكثر من 400 مليون شخص حول العالم. ورغم هذا الامتداد، ظلت الحاجة قائمة إلى سياسة مؤسسية متكاملة تعزز مكانتها في مجالات الاقتصاد الرقمي، والبحث العلمي، والتقنية الحديثة، والحوكمة.
ملامح السياسة الوطنية للغة العربية
تتضمن السياسة الوطنية عدد من المرتكزات الرئيسية، من أبرزها:
1. توحيد المرجعية التنظيمية
اعتماد إطار موحد يحدد الأدوار والمسؤوليات بين الجهات الحكومية، ويمنع الازدواجية في المبادرات اللغوية.
2. تعزيز حضور اللغة العربية في التعليم
- دعم تطوير المناهج وأساليب تدريس اللغة.
- رفع كفاءة معلمي اللغة العربية عبر برامج تدريب متخصصة.
- تعزيز البحث العلمي باللغة العربية في الجامعات السعودية، التي يتجاوز عددها 30 جامعة حكومية وأهلية.
3. تمكين اللغة في الأنظمة والإجراءات الرسمية
التأكيد على أولوية استخدام اللغة العربية في العقود، والأنظمة، والمراسلات الحكومية، مع تنظيم استخدام اللغات الأجنبية عند الحاجة، بما يحفظ السيادة اللغوية.
4. دعم المحتوى العربي الرقمي
تشير تقارير دولية إلى أن المحتوى العربي لا يمثل سوى نحو 3% من إجمالي المحتوى على الإنترنت، رغم أن الناطقين بالعربية يشكلون قرابة 5% من سكان العالم. ومن هنا تستهدف السياسة رفع مساهمة المحتوى العربي الرقمي، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، والترجمة الآلية، والمعاجم الرقمية.
أرقام و مبادرات داعمة
قبل إقرار السياسة، أطلقت السعودية سلسلة مبادرات تمهيدية، منها:
- تأسيس مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية عام 2020 ليكون المرجعية العليا للغة العربية في المملكة.
- إطلاق برامج حوسبة لغوية، تضمنت بناء مدونات لغوية (Corpora) تضم ملايين الكلمات لتحسين تقنيات المعالجة الآلية للغة العربية.
- تنظيم مؤتمرات دولية سنوية بمشاركة عشرات الدول والجامعات ومراكز الأبحاث.
كما شهدت السنوات الأخيرة إدراج اللغة العربية ضمن مشاريع التحول الرقمي الحكومي، بحيث أصبحت متطلبات دعم العربية جزء من معايير تطوير المنصات الرقمية الحكومية.
البعد الاقتصادي للسياسة
تعتبر اللغة عنصر اقتصادي. فتعزيز العربية في قطاعات مثل السياحة، والثقافة، والترفيه، والإعلام، يسهم في:
- دعم الصناعات الإبداعية، التي تستهدف رؤية 2030 رفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي.
- تطوير سوق النشر والترجمة، الذي يشهد نمو كبير مع تزايد معارض الكتب في الرياض وجدة والدمام.
- تحفيز الشركات التقنية على تطوير تطبيقات وخدمات تعتمد العربية كلغة أساسية، بدل الاكتفاء بترجمتها لاحقاً.
كما أن تمكين العربية في قطاع الأعمال يعزز من وضوح العقود والأنظمة ويقلل النزاعات القانونية الناتجة عن الترجمة غير الدقيقة.
العلاقة بالتحول الرقمي
في ظل التحول الرقمي المتسارع، باتت اللغة عنصر حاسم في بناء أنظمة ذكاء اصطناعي دقيقة. واللغة العربية تُعد من اللغات المعقدة نحواً وصرفاًِ، ما يجعل الاستثمار في معالجتها حاسوبياً أولوية استراتيجية.
السياسة الوطنية تدعم:
- تطوير محركات بحث عربية أكثر كفاءة.
- بناء نماذج لغوية ضخمة (LLMs) مدرّبة على محتوى عربي أصيل.
- توحيد المصطلحات التقنية والعلمية لضمان اتساق الاستخدام في التعليم والصناعة.
هذا التوجه يتكامل مع مساعي المملكة لتكون مركز إقليمي في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي.
حضور اللغة في الفضاء العام
من الجوانب العملية للسياسة:
- تعزيز استخدام العربية في اللوحات الإرشادية والإعلانات.
- ضبط كتابة الأسماء التجارية بطريقة سليمة لغوياً.
- تشجيع المؤسسات الإعلامية على الالتزام بمعايير لغوية دقيقة.
ويأتي ذلك ضمن توجه أوسع لتعزيز الاعتزاز بالهوية الوطنية، في وقت تشهد فيه المملكة انفتاح سياحي وثقافي متزايد.
البعد الثقافي والحضاري
اللغة العربية هي الحاملة لذاكرة تاريخية تمتد لقرون. وإقرار السياسة الوطنية يعكس إدراك رسمي بأن حماية اللغة وتطويرها شرط لحماية الهوية.
كما يعزز القرار مكانة السعودية بوصفها مركز عالمي للغة العربية، خاصة في ظل وجود الحرمين الشريفين، واستقطاب ملايين المسلمين سنوياً للحج والعمرة.
خطوة ضمن مشروع حضاري أكبر
إقرار السياسة الوطنية للغة العربية جزء من مشروع متكامل يعيد صياغة علاقة المجتمع السعودي بلغته في زمن العولمة الرقمية. فكما تستثمر المملكة في البنية التحتية، والطاقة، والتقنية، فإنها تستثمر أيضاً في لغتها بوصفها ركيزة للهوية والسيادة الثقافية.
النتيجة المتوقعة هي ترسيخ دور السعودية كمرجعية عالمية في خدمة اللغة العربية وتطويرها، بما يتناسب مع مكانتها الدينية والسياسية والاقتصادية.
وفي عالم تتنافس فيه الدول على النفوذ الثقافي بقدر تنافسها على النفوذ الاقتصادي، تبدو اللغة العربية، في السياق السعودي مشروع وطني بامتياز، يؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الاعتزاز بالهوية جزء من معادلة التنمية المستدامة.