أعمال دانيال أورديه حاضرة في مزاد سوثبيز في باريس
تجسد الأعمال الفنية للنحات الفرنسي دانيال أورديه حالة وسطية ما بين عالم الأحلام والآمال وبين الدراما والقسوة، وهو الأمر الذي يبدو واضحاً في قطعه الفنية التعبيرية ذات الحجم البشري، والتي تعكس براعته وفهمه العميق لتشريح جسم الإنسان. يكرس أورديه وقته بالكامل لأعماله الفنية، وهو يقدم الآن بالتعاون مع دار سوثبيز في باريس فرصة نادرة لعشاق الفن وهواة جمع الأعمال الفنية لاكتشاف هذه الكنوز التي جمعها الفنان بصبر على مر السنين.
تعرض مجموعة أعمال دانيال أورديه الرائعة في مزاد علني بتاريخ 25 فبراير، بعد أن تُقدم في عرض تمهيدي مفتوح للجمهور من 19 حتى 24 فبراير. يتيح المعرض للزوار فرصة استكشاف بيئة فريدة، حيث سيتم إعادة إحياء أجواء استديو أورديه لبضعة أيام في دار سوثبيز في باريس.
بصفته جامعاً للقطع الفنية وتاجراً وشخصية رائدة في مجال الفن الأفريقي والفن في منطقة المحيط الهادي
لأكثر من أربعين عاماً، عاش أورديه حياته متشبعاً بالفن، وهو اليوم مستعد لنقل إرثه الفني إلى من يشاركه اهتمامه و رؤيته المميزة إلى عالمه الفني هذا.

مجموعة مختارة من أهم أعماله
سيضم مزاد سوثبيز في باريس بعضاً من أهم أعمال أورديه، بدءً من الفنون الافريقية و الأوقيانوسية، مروراً بالقطع الأثرية والفنون الآسيوية، وصولاً إلى قطع الأثاث العتيق. تعكس هذه القطع البعد الحالم لعلاقة الإنسان بالعالم، بالرغم من اختلاف الثقافات التي تجسدها والفترات الزمنية التي تنتمي إليها.
من أبرز المعروضات قناع مومياء مصري مميز يعود إلى الأسرتين الحادية والعشرين والثانية والعشرين، إضافة إلى قطع أخرى بارزة من جزيرة أيرلندا الجديدة، وعدة تماثيل تذكارية من قبيلة كوتا في الغابون، وتمثال لمقدمة سفينة من الماوري، وقناع نادر من قبيلة كواكيوتل من كولومبيا. لقد بلغ أعلى سعر بيع لواحدة من أعماله الفنية مبلغ 74,500 يورو عام 2023 لقطعة بعنوان "شجرة".
النحات المحترف
في سن العشرين درس أورديه الرسم والتصوير في مدرسة الفنون الجميلة في غرونوبل - باريس، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، كرّس نفسه للنحت، مُطوعاً الأشكال الكلاسيكية لرؤيته وأسلوبه الخاص، ليُبدع أعمالاً فنية تنبض بروح معاصرة. يعمل أورديه بالفولاذ والبرونز والذهب، مُوظفاً كل مادة لإضفاء الروح على شخصياته. كما يُعبّر عن نفسه من خلال الرسم والمنشآت الفنية، مُتمتعاً بحرية مطلقة في أعماله التي تتناول الجسد البشري، الذي يُصوره في آنٍ واحد بصورة مأساوية وروح مرحة.
تكشف تقنيته عن فهم دقيق لتشريح جسم الإنسان، يكاد يكون جراحياً. فالتماثيل التي يُبدعها ضخمة، ومع ذلك يُضفي عليها لمسة عصرية من خلال تفاصيل مرحة ولمحات من الثقافة الشعبية، ساعياً إلى تجاوز المألوف. ومن بين مواضيعه المتكررة: الهياكل العظمية، و الصليب وإكليل الشوك، وصور رقصات الموت من العصور الوسطى. تبدو شخصياته وكأنها عالقة في منتصف الحدث، معلقة في لحظة وجودية تدعو المشاهد بهدوء إلى التفكير في عبثية العالم وفنائه.
أبرز معروضات المزاد
قناع مومياء مصري متعدد الألوان من الخشب، الأسرة الحادية والعشرون/الثانية والعشرون، 1075-716 قبل الميلاد
555,000 - 775,000 ريال سعودي
نُحت هذا القناع الرائع من خشب صلب ذي حبيبات دقيقة، ويتميز بوجه بيضاوي، وعينين مرصعتين، وشفتين محددتين بزوايا مستديرة، وأنف مستقيم، وحواجب طويلة. صُنعت ترصيعة العين من زجاج أزرق وأبيض، مع بؤبؤ غائر مطلي باللون الأسود، مما يجعل هذه القطعة فريدة من نوعها والأكثر ترقباً لتصدر المزاد.
تمثال مالاغان، أيرلندا الجديدة، أرخبيل بسمارك
355,000 - 533,000 ريال سعودي
يُعد هذا التمثال الجميل من نوع "مالاغان" مثالاً نموذجياً لجودة النحت والأصباغ المستخدمة في القطع الأثرية التي تعود إلى الفترة ما بين عامي 1880 و 1890. وهو معروض بحالة ممتازة، مما يدل على أنه جُمع بعد فترة وجيزة من استخدامه. غالباً ما تُصور تماثيل "مالاغان" رجالاً ذوي هيبة، إلا أنه من الواضح في هذا التمثال أن الشخصية امرأة راكعة، ذات أضلاع بارزة، ترتدي مئزراً عريضاً و ذراعين طويلتين متدليتين. ساقاها نحيلتان و منمقتان للغاية. يعلو رأسها تسريحة شعر مخروطية نموذجية لتلك التي كانت تقوم بها النساء في جزيرة نيو أيرلاند لحمايتهن من المطر. يُغطى تمثال مالاغان بالكامل بأصباغ تُشكل زخارف هندسية.
الملك المنهك
200,000 - 222,000 ريال سعودي
نُفذ تمثال "الملك المنهك" عام 2020، من البرونز والفولاذ المطلي. تكمن في جوهر هذا العمل قصة توراتية، لكن تفسيراته تنتمي أيضاً إلى الأساطير. يتمحور موضوعه حول الصعود إلى الجنة والهبوط إلى الجحيم. يغمر "الملك المنهك" شعورٌ بالتوتر، ويمثل التاج أولى علامات هذا التوتر. يتميز تشريح هذا التمثال بدقة متناهية تكاد تكون أشبه بالتحليل الجنائي، فالأضلاع وامتداد العضلات عبر الجذع واضحة للعيان، مما يدل على فهم أورديه العميق لجسم الإنسان. ومع ذلك، فإن المفارقة في هذا التناقض هي ما يضفي على هذا العمل طابعاً درامياً عميقاً، فالجسم رياضي وقوي، ولكنه يبدو عليه التوتر بوضوح. تبرز الأضلاع، ويميل الرأس. توحي هذه الوضعية بعبء السلطة، وربما بثقل التوقعات في عالم تفقد فيه السلطة جدواها.
يعيش دانيال أورديه ويعمل في باريس. عُرضت منحوتاته في أنحاء العالم، في أماكن مرموقة مثل جسر الفنون في الجمعية الوطنية الفرنسية في باريس، ومتحف "دو لا كانسيليريا" في مكسيكو سيتي. يستلهم فنه من الأساطير الكلاسيكية، والقضايا الاجتماعية المعاصرة، والثقافات المختلفة، مستوحياً من الجسد البشري ليُبدع أعمالاً تُعبر عن الحركة والعاطفة، وتزخر بالتفاصيل والنسيج.
وقد تبوأ دانيال أورديه مكانةً مرموقةً في عالم النحت المعاصر. لا تُعرف روائعه بدقتها التقنية فحسب، بل أيضاً بتأثيرها العاطفي العميق. تحمل منحوتاته ثقلاً مادياً ونفسياً، وهذا التوازن الدقيق بين المهارة والرمزية هو ما يمنح فنه الخلود.