أبرز المشاريع والشركات السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي
يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية نمو متسارع، مدفوع برؤية 2030، والاستثمارات الحكومية والخاصة، والتوسع في البنية التحتية الرقمية، وتطوير الكفاءات الوطنية. وأصبحت المملكة تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد المكونات الأساسية للاقتصاد الجديد ومحرك للنمو في قطاعات الطاقة والصناعة والصحة والتمويل والنقل والخدمات الحكومية.
وقد اتخذ هذا التوجه بعد أكبر مع إعلان عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي في المملكة، في خطوة تعكس حجم الاهتمام الوطني بتطوير التقنيات المتقدمة وتسريع استخدامها في مختلف القطاعات.

الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي
تأتي الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، المعروفة باسم «سدايا»، في مقدمة الجهات التي تقود منظومة الذكاء الاصطناعي في المملكة. وتتولى الهيئة مسؤولية وضع التوجه الوطني في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطوير السياسات والأطر التنظيمية ودعم الابتكار وبناء القدرات الوطنية. كما ترتبط بها مجموعة من الجهات المتخصصة، من بينها المركز الوطني للذكاء الاصطناعي والمركز الوطني للمعلومات ومكتب إدارة البيانات الوطنية.
وتستند جهود المملكة إلى الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، التي تستهدف تحويل السعودية إلى مركز عالمي في هذا المجال، مع التركيز على تطوير المواهب، وجذب الاستثمارات، ودعم الشركات الناشئة، وتعزيز البحث والابتكار. وتستهدف الاستراتيجية الوصول إلى أكثر من 20 ألف متخصص وخبير في البيانات والذكاء الاصطناعي، واستقطاب نحو 75 مليار ريال من الاستثمارات في القطاع، إلى جانب دعم إنشاء أكثر من 300 شركة ناشئة في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي.
المركز الوطني للذكاء الاصطناعي
يمثل المركز الوطني للذكاء الاصطناعي أحد أهم الأذرع التقنية للمنظومة السعودية. ويركز المركز على تطوير حلول الذكاء الاصطناعي، وإجراء الأبحاث، وبناء القدرات الوطنية، واستخدام البيانات والتقنيات الذكية لتحسين عملية اتخاذ القرار ورفع كفاءة الخدمات الحكومية.
وتتجاوز أهمية المركز الجانب البحثي، إذ يعمل على تطوير تطبيقات عملية للذكاء الاصطناعي في قطاعات ذات تأثير مباشر على الاقتصاد والمجتمع، بما يدعم توجه المملكة نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة والتقنيات المتقدمة.
شركة «هيوماين».. مشروع سعودي لبناء منظومة الذكاء الاصطناعي
تعد شركة «هيوماين» من أبرز الشركات السعودية الحديثة في قطاع الذكاء الاصطناعي، وقد أطلقها صندوق الاستثمارات العامة في مايو 2025 بهدف بناء منظومة متكاملة تمتد عبر سلسلة القيمة الكاملة للذكاء الاصطناعي. ويشمل مراكز البيانات، والبنية التحتية الحاسوبية، والحوسبة السحابية، والنماذج المتقدمة، والتطبيقات والحلول الذكية.
ويبرز ضمن مشروعات «هيوماين» تطوير نماذج لغوية عربية متقدمة، ومن بينها «علام»، الذي تم تطويره بالتعاون مع «سدايا»، لتعزيز قدرة المملكة على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي تدعم اللغة العربية وتتعامل مع احتياجات المستخدمين في المنطقة. كما تعمل الشركة على توظيف الذكاء الاصطناعي في قطاعات متعددة، من بينها الطاقة والرعاية الصحية والتصنيع والخدمات المالية والمدن الذكية.
مراكز البيانات ومصانع الذكاء الاصطناعي
أحد أهم جوانب الاستراتيجية السعودية يتمثل في بناء البنية التحتية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
وفي هذا السياق، أعلنت «هيوماين» عن شراكة استراتيجية مع شركة «إنفيديا» لتطوير ما وصفته بمصانع الذكاء الاصطناعي في المملكة. وتتضمن الخطط بناء بنية تحتية تصل قدرتها إلى 500 ميغاواط، واستخدام مئات الآلاف من وحدات معالجة الرسومات المتقدمة خلال السنوات المقبلة.
وتكتسب هذه المشروعات أهمية خاصة، لأن امتلاك قدرات حوسبة متقدمة أصبح أحد العوامل الأساسية التي تحدد قدرة الدول والشركات على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها على نطاق واسع.
أرامكو والذكاء الاصطناعي
لا يقتصر الاستثمار في الذكاء الاصطناعي على الجهات الحكومية وصندوق الاستثمارات العامة، إذ تعد شركة «أرامكو السعودية» من أبرز الشركات التي توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملياتها.
وتستخدم الشركة التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في مجالات مثل تحليل البيانات، والصيانة التنبؤية، وتحسين عمليات الإنتاج، ورفع كفاءة عمليات الطاقة.
كما أعلنت أرامكو وصندوق الاستثمارات العامة عن اتفاق يهدف إلى استحواذ أرامكو على حصة أقلية مؤثرة في «هيوماين»، مع استمرار ملكية الصندوق للأغلبية، إلى جانب دمج بعض الأصول والقدرات والخبرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، ويمثل ذلك خطوة مهمة في ربط خبرة قطاع الطاقة السعودي بالبنية التحتية المتقدمة للذكاء الاصطناعي.
نيوم والذكاء الاصطناعي
تعد «نيوم» من أبرز البيئات التي يمكن أن تشهد تطبيقات واسعة للذكاء الاصطناعي في المملكة.
فطبيعة المشروع، الذي يركز على تطوير مدن ووجهات جديدة تعتمد على التكنولوجيا والاستدامة، تفتح المجال أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة المدن، والنقل، والطاقة، والرعاية الصحية، والأمن، والخدمات الرقمية.
ويكتسب الذكاء الاصطناعي أهمية خاصة في المشروعات العمرانية الجديدة، لأنه يسمح بجمع البيانات وتحليلها بصورة مستمرة واتخاذ قرارات أكثر كفاءة في إدارة الموارد والخدمات. وبذلك، يمكن أن تصبح المشروعات السعودية الكبرى بمثابة بيئات اختبار واسعة لتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي على مستوى المدن والقطاعات المختلفة.
الشركات العالمية شريك في بناء المنظومة السعودية
إلى جانب الشركات السعودية، تعمل المملكة على جذب أكبر شركات التكنولوجيا العالمية للمشاركة في بناء منظومتها للذكاء الاصطناعي.
وتشمل الشراكات المرتبطة بـ«هيوماين» شركات عالمية مثل «إنفيديا» و«مايكروسوفت» و«إيه إم دي» و«كوالكوم» و«أمازون ويب سيرفيسز» و«غوغل كلاود» و«غروك».
وتوفر هذه الشراكات للمملكة إمكانية الوصول إلى تقنيات وخبرات عالمية متقدمة، في الوقت الذي تمنح الشركات العالمية فرصة للاستفادة من السوق السعودي والاستثمارات الضخمة التي تشهدها المملكة.
وهذا النموذج يعكس توجه يعتمد على استيراد التكنولوجيا، وعلى تطوير منظومة محلية قادرة على استيعابها وتوطين جزء من المعرفة والخبرات المرتبطة بها.
الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية
يعد القطاع الحكومي أحد أكبر المجالات التي يمكن أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي في السعودية.
وتعمل المملكة على استخدام البيانات والتقنيات الذكية لتحسين الخدمات الحكومية، وتسريع الإجراءات، ودعم اتخاذ القرار، ورفع كفاءة الإنفاق. وتشمل المنظومة الرقمية السعودية مجموعة من الخدمات والمنصات التي تعتمد على البيانات والتقنيات المتقدمة، في حين يعمل المركز الوطني للذكاء الاصطناعي على تطوير حلول تستهدف قطاعات حكومية ذات أثر اقتصادي واجتماعي واسع.
ومن المتوقع أن يتوسع هذا الاستخدام مع زيادة قدرة الجهات الحكومية على جمع البيانات وربطها وتحليلها.
الذكاء الاصطناعي ودعم الاقتصاد السعودي
الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي إلى خلق وظائف جديدة، وتطوير مهارات وطنية، واستقطاب الشركات العالمية، وتحفيز الشركات الناشئة، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات والخدمات السعودية.
كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرفع إنتاجية القطاعات التقليدية، مثل الطاقة والتصنيع والخدمات اللوجستية، ويمنح الشركات أدوات أكثر دقة لتحليل الأسواق واتخاذ القرارات. وهذا يتوافق مع هدف أوسع يتمثل في تنويع الاقتصاد السعودي وتقليل الاعتماد على الأنشطة التقليدية، من خلال بناء قطاعات جديدة قائمة على المعرفة والتكنولوجيا.
مستقبل الذكاء الاصطناعي في السعودية
تشير التطورات الحالية إلى أن المملكة تتعامل كجزء من تحول اقتصادي واسع، ومن خلال «سدايا» والاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، و«هيوماين»، وصندوق الاستثمارات العامة، وأرامكو، و«نيوم»، إلى جانب الشراكات مع شركات التكنولوجيا العالمية، تعمل السعودية على بناء منظومة تشمل البيانات والبنية التحتية والحوسبة والنماذج والتطبيقات والمواهب والاستثمار.
وإذا نجحت هذه المنظومة في تحقيق أهدافها، فقد لا تقتصر مكانة المملكة على كونها مستخدماً للتقنيات العالمية، بل يمكن أن تتحول إلى مركز إقليمي لتطوير حلول الذكاء الاصطناعي وتطبيقها وتصديرها.
ومع كون 2026 عام للذكاء الاصطناعي في السعودية، يبدو أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحويل الاستثمارات والمشروعات الحالية إلى تطبيقات اقتصادية واسعة النطاق، بما يجعل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز القطاعات التي ستشكل مستقبل الاقتصاد السعودي خلال السنوات القادمة.
اقرأ المزيد