مبادرة الشرق الأوسط الأخضر في جدة

 

مثّل انعقاد أعمال المجلس الوزاري الثاني لمبادرة الشرق الأوسط الأخضر في مدينة جدة خلال يناير 2026 محطة مفصلية في مسار واحدة من أكبر المبادرات البيئية الإقليمية في العالم. الاجتماع، الذي شاركت فيه 31 دولة من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا، وجاء محمّل بأرقام واضحة، وأهداف كمية، وانتقال عملي نحو مرحلة التنفيذ بعد استكمال البنية التنظيمية للمبادرة.

 

مبادرة الشرق الأوسط الأخضر في جدة

 

من الإطلاق إلى التفعيل

أُطلقت مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» في عام 2021 بطلب من ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، كجهد إقليمي لمواجهة التحديات البيئية والمناخية المشتركة في واحدة من أكثر مناطق العالم تأثراً بتغير المناخ.

وتهدف المبادرة منذ انطلاقتها إلى:

  • زراعة 50 مليار شجرة على مستوى المنطقة.
  • تقليل انبعاثات الكربون بنسبة 10% من الإسهامات العالمية.
  • إعادة تأهيل 200 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة.
  • دعم التحول نحو الاقتصاد الدائري للكربون.

اجتماع جدة جاء ليؤكد أن المبادرة تجاوزت مرحلة الإعلان السياسي، ودخلت مرحلة التفعيل المؤسسي والتنفيذي.

 

جدة… اجتماع بأبعاد إقليمية

انعقد الاجتماع الوزاري الثاني للمبادرة في جدة بمشاركة:

  • 31 دولة من آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.
  • المملكة المتحدة بصفتها دولة مراقبة.
  • ممثلين عن منظمات إقليمية ودولية معنية بالمناخ والاستدامة.

وترأس الاجتماع وزير البيئة والمياه والزراعة في المملكة العربية السعودية عبدالرحمن بن عبدالمحسن الفضلي، الذي أكد في كلمته أن التحديات البيئية في المنطقة «لا تعترف بالحدود السياسية»، وأن الحلول لا يمكن أن تكون وطنية فقط، بل إقليمية ومنسقة.

 

استكمال البنية التنظيمية

أحد أبرز مخرجات اجتماع جدة كان الإعلان عن بدء مرحلة جديدة للمبادرة بعد استكمال تأسيس الأمانة العامة لمبادرة الشرق الأوسط الأخضر في مدينة الرياض، لتكون الجهة المسؤولة عن:

  • تنسيق الجهود بين الدول الأعضاء.
  • متابعة تنفيذ المبادرات والمشاريع.
  • قياس الأداء البيئي ومؤشرات التقدم.
  • إعداد التقارير الدورية الخاصة بالإنجازات والتحديات.

هذا التطور المؤسسي يمنح المبادرة استدامة إدارية، ويحولها من إطار طوعي إلى منصة عمل منظمة ذات حوكمة واضحة.

 

أرقام تعكس حجم الطموح

ناقش الاجتماع مجموعة من الأهداف الكمية التي تشكل جوهر المبادرة، من أبرزها:

زراعة 50 مليار شجرة، منها عشرات المليارات في دول الشرق الأوسط، لتصبح المبادرة واحدة من أضخم مشاريع التشجير عالمياً. إضافة إلى المساهمة في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بما يعادل 670 مليون طن على المدى الطويل، عبر التشجير، وتطوير حلول الاقتصاد الدائري للكربون، وتقنيات التقاط الكربون.

إعادة تأهيل 200 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، بما يشمل المناطق الصحراوية وشبه القاحلة. وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، خاصة المياه والتربة، في مناطق تعاني من الإجهاد البيئي المزمن.

 

التعاون الإقليمي… ضرورة لا خيار

أكد الوزراء المشاركون أن أكثر من 90% من أراضي الشرق الأوسط تقع ضمن نطاق المناطق الجافة أو شبه الجافة، وأن معدلات التصحر وندرة المياه تشكل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي والاقتصادي.

ومن هنا، شدد الاجتماع على:

  • تبادل البيانات المناخية والبيئية.
  • توحيد منهجيات قياس الانبعاثات.
  • تنسيق مشاريع استصلاح الأراضي العابرة للحدود.
  • دعم البحث العلمي المشترك في مجالات الزراعة المستدامة وإدارة المياه

التمويل والاستثمار البيئي

أولى الاجتماع اهتمام خاص بالشق المالي، باعتبار أن تنفيذ أهداف بهذا الحجم يتطلب استثمارات ضخمة. وتم التأكيد على:

  • تعبئة التمويل الحكومي والإقليمي.
  • إشراك القطاع الخاص كشريك رئيسي.
  • الاستفادة من أدوات التمويل الأخضر.
  • دعم مشاريع التشجير والاستدامة ذات العائد الاقتصادي.

وتم التأكيد على أن الاستثمار البيئي أصبح عنصر محفز للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، خاصةً في القطاعات الزراعية والريفية.

 

الاقتصاد الدائري للكربون

ناقش المجتمعون دور الاقتصاد الدائري للكربون كأحد المحاور الأساسية لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات، من خلال:

تقليل الانبعاثات من المصدر.

  • إعادة استخدام الكربون.
  • تخزين الكربون بوسائل طبيعية وتقنية.
  • دعم الابتكار في تقنيات الالتقاط والمعالجة.

هذا التوجه يعكس التحول من سياسات تقليدية إلى حلول مبتكرة تتناسب مع واقع اقتصادات المنطقة.

 

المبادرة ورؤية 2030

تأتي استضافة جدة للاجتماع ضمن سياق أوسع مرتبط بـ رؤية 2030، التي تضع الاستدامة البيئية ضمن أولوياتها، عبر:

  • مبادرة السعودية الخضراء.
  • برامج حماية الغطاء النباتي.
  • مكافحة التصحر.
  • تحسين جودة الحياة في المدن والمناطق الريفية.

وتُعد مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» امتداد إقليمي لهذه الرؤية، ومحاولة لتصدير النموذج السعودي في العمل البيئي إلى نطاق أوسع.

 

يمكن القول إن اجتماع جدة:

  • ثبّت الأرقام والأهداف الكمية للمبادرة.
  • أطلق فعلياً المرحلة التنفيذية بعد استكمال الأطر التنظيمية.
  • عزز التعاون بين 31 دولة ضمن رؤية بيئية مشتركة.
  • ربط الاستدامة بالاقتصاد والاستثمار.

ومع تصاعد آثار التغير المناخي في المنطقة، يبدو أن مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» أصبحت مسار إقليمي جاد لإعادة تشكيل العلاقة بين التنمية والبيئة في الشرق الأوسط.

يؤكد اجتماع جدة أن مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» انتقلت من كونها إطار طموح للتعاون البيئي إلى منصة إقليمية ذات أهداف رقمية واضحة وآليات تنفيذ محددة. فالأرقام التي طُرحت، من زراعة 50 مليار شجرة إلى إعادة تأهيل 200 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة وخفض مئات الملايين من أطنان الانبعاثات الكربونية، تعكس حجم التحدي بقدر ما تعكس جدية الالتزام.

 

ومع استكمال البنية المؤسسية للمبادرة، وتوسّع قاعدة المشاركة الإقليمية، بات نجاحها مرهون بقدرة الدول الأعضاء على تحويل هذه التعهدات إلى مشاريع قابلة للقياس على أرض الواقع. وفي منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم هشاشة أمام التغير المناخي، تبرز مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» كنموذج عملي يربط بين البيئة والتنمية والاستقرار، ويؤسس لمسار طويل الأمد يعيد صياغة مستقبل المنطقة البيئي ضمن رؤية جماعية أكثر استدامة.